محمد حسين هيكل

170

حياة محمد ( ص )

تلّ قريب من الماء وأخذا وعاء لهما يستقيان فيه . وإنهما لعلى الماء إذ سمعا جارية تطالب صاحبتها بدين عليها والثانية تحبيبها : إنما تأتي العير غدا أو بعد غد ، فأعمل لهم ثم أقضيه لك . وعاد الرجلان فأخبرا محمدا بما سمعا . فأما أبو سفيان فسبق الغير يتنطّس الأخبار حذر أن يكون محمد قد سبقه إلى الطريق . فلما ورد الماء وجد عليه مجديّ بن عمرو ، فسأله : هل قد رأى أحدا ؟ وأجاب مجديّ بأنه لم ير إلا راكبين أناخا إلى هذا التلّ ، وأشار إلى حيث أناخ الرجلان من المسلمين . فأتى أبو سفيان مناخهما فوجد في روث بعيريهما نوى عرفه من علائف يثرب ، فأسرع عائدا إلى أصحابه وعدل بالسير عن الطريق مساحلا البحر مسرعا في مسيره ، حتى بعد ما بينه وبين محمد ، ونجا . وأصبح الغد والمسلمون في انتظار مروره بهم ، فإذا الأخبار تصلهم أنه فاتهم وأن مقاتلة قريش هم الذين ما يزالون على مقربة منهم ؛ فيذوي في نفوس جماعة منهم ما كان يملؤها من أمل الغنيمة ، ويجادل بعضهم النبيّ كي يعودوا إلى المدينة ولا يلقوا القوم الذين جاؤوا من مكة لقتالهم . وفي ذلك نزل قوله تعالى : ( وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ ) « 1 » . وقريش هم أيضا ، ما حاجتهم إلى القتال وقد نجت تجارتهم ؟ أليس خيرا لهم أن يعودوا من حيث أتوا ، وأن يتركوا المسلمين يرجعون من رحلتهم بخفّى حنين ؟ كذلك فكر أبو سفيان وبذلك أرسل إلى قريش يقول لهم : إنكم قد خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم ، فقد نجّاها اللّه فارجعوا ، ورأى من قريش رأيه عدد غير قليل . لكن أبا جهل ما لبث حين سمع هذا الكلام أن صاح : واللّه لا نرجع حتى نرد بدر فنقيم عليه ثلاثا ننحر الجزر ، ونطعم الطعام ونسقى الخمر وتعزف علينا القيان ، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا ، فلا يزالون يهابوننا أبدا بعدها . ذلك أن بدرا كانت موسما من مواسم العرب ، فانصراف قريش عنها بعد أن نجت تجارتهم قد تفسره العرب ، فيما رأى أبو جهل ، بخوفهم من محمد وأصحابه ، مما يزيد محمدا شوكة ويزيد دعوته انتشارا وقوة وخاصة بعد الذي كان من سريّة عبد اللّه بن جحش وقتل ابن الحضرميّ وأخذ الأسرى والغنائم من قريش . نزول المسلمين بدرا وتردّد القوم بين اتباع أبي جهل مخافة أن يتّهموا بالجبن ، وبين الرجوع بعد أن نجت عيرهم ، فلم يرجع إلا بنو زهرة الذين اتبعوا مشورة الأخنس بن شريف ، وكان فيهم مطاعا . واتبعت سائر قريش أبا جهل حتى ينزلوا منزلا يتهيئون فيه للحرب ثم يتشاورون بعد ذلك . ونزلوا بالعدوة القصوى خلف كثيب من الرمل يحتمون به . أمّا المسلمون الذين فاتتهم الغنيمة فقد أجمعوا أن يثبتوا للعدو إذا أجمع على محاربتهم ، لذلك بادروا إلى ماء بدر ، ويسّر لهم مطر أرسلته السماء مسيرتهم إليها . فلما جاؤوا أدنى ماء منها نزل محمد به . وكان الحباب بن المنذر بن الجموح عليما بالمكان ؛ فلما رأى حيث نزل النبيّ قال : يا رسول اللّه ، أرأيت هذا المنزل أمنزلا أنزلكه اللّه فليس لنا أن نتقدّمه ولا نتأخر عنه ، أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ قال محمد : بل هو الرأي والحرب والمكيدة . فقال : يا رسول اللّه ، فإن هذا ليس بمنزل ؛ فانهض بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم فتنزل ثم نغوّر ما وراءه من القلب « 2 » ، ثم نبني عليه حوضا فنملأه ماء ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون . ولم

--> ( 1 ) سورة الأنفال آية 7 . ( 2 ) القلب : جمع قليب ، وهو البئر . يذكّر ويؤنث . وتغويرها : كبسها بالتراب حتى ينضب ماؤها .